ابن عربي
182
فصوص الحكم
يتمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه : قال تعالى « لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ » فنزَّه وشبَّه ، « وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فشبه . وهي أعظم آية تنزيه نزلت ( 1 ) ، ومع ذلك لم تخل عن التشبيه بالكاف . فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبَّر عن نفسه إلا بما ذكرناه . ثم قال « سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ » وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم . فنزه نفسه عن تنزيههم إذ حدوده بذلك التنزيه ، وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا . ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام . فلم تُخْلِ عن صفة يظهر فيها . كذا قالت ، وبذا جاءت . فعملت الأمم على ذلك فأعطاها الحق التجلي فلحقت بالرسل وراثةً ( 2 ) ، فنطقت بما نطقت به رسل الله « الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه » ( 3 ) . « فا لله أعلم » موجَّه : له وجه بالخبرية إلى رسل ( 4 ) الله ، وله وجه بالابتداء إلى أعلمُ حيث يجعل رسالاته . وكلا الوجهين حقيقة فيه ، ولذلك قلنا بالتشبيه في التنزيه وبالتنزيه في التشبيه . وبعد أن تقرر هذا فنرخي الستور ونسدل الحجب على عين المنتقد والمعتقد ، وإن كانا من بعض صور ما تجلى فيها ( 5 ) الحق . ولكن قد أُمِرْنا بالستر ليظهر تفاضل استعداد الصور ، وأن المتجلي في صورة بحكم استعداد تلك الصورة ، فينسب إليه ما تعطيه حقيقتها ولوازمها لا بد من ذلك : مثل من يرى الحق في النوم ولا ينكر هذا وأنه لا شك الحق عينه فتتبعه لوازم تلك الصورة وحقائقها التي تجلى فيها في النوم ، ثم بعد ذلك يعبَّر - أي يجاز - عنها إلى أمر آخر يقتضي التنزيه عقلًا . فإن كان الذي يعبرها ذا كشف وإيمان ( 6 ) ، فلا يجوز عنها إلى تنزيه فقط ، بل يعطيها حقها في التنزيه ومما ظهرت فيه .
--> ( 1 ) ب : ساقطة ( 2 ) ا : وارثة ( 3 ) « ب » و « ن » : رسالاته ( 4 ) ن : رسول ( 5 ) ا : فيهما ( 6 ) « ب » و « ن » : أو إيمان .